الخطيب الشربيني
422
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
ثم عاد إلى السياق الأول فقال : أَ أَتَّخِذُ وهو استفهام بمعنى الإنكار أي : لا أتخذ وبين علو رتبته تعالى بقوله مِنْ دُونِهِ أي : سواه مع دنو المنزلة وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال آلِهَةً وفي ذلك لطيفة وهي : أنه لما بين أنه يعبد الذي فطره بين أن من دونه لا تجوز عبادته ؛ لأن الكل محتاج مفتقر حادث وقوله أَ أَتَّخِذُ إشارة إلى أن غيره ليس بإله ؛ لأن المتخذ لا يكون إلها ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بتسهيل الثانية بخلاف عن هشام ، وأدخل فيهما ألفا قالون وأبو عمرو وهشام وورش وابن كثير بغير إدخال ألف ، والباقون بتحقيقهما مع عدم الإدخال وإذا وقف حمزة فله تسهيل الثانية والتحقيق ؛ لأنه متوسط بزائد وله أيضا إبدالها ألفا . ثم بين عجز تلك الآلهة بقوله إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ أي : العام النعمة على كل المخلوقين العابد والمعبود بِضُرٍّ أي : سوء ومكروه لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً أي : لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد وَلا يُنْقِذُونِ أي : بالنصر والمظاهرة من ذلك المكروه أو من العذاب لو عذبني الله تعالى إن فعلت ذلك . فإن قيل : ما الحكمة في قوله تعالى هنا : إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بصيغة المضارع وقال في الزمر : إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ [ الزمر : 38 ] بصيغة الماضي وذكر المريد هنا باسم الرحمن وذكر المريد هناك باسم الله ؟ أجيب : بأن الماضي والمستقبل مع الشرط يصير الماضي مستقبلا ؛ لأن المذكور هنا من قبل بصيغة الاستقبال في قوله أَ أَتَّخِذُ وقوله ما لِيَ لا أَعْبُدُ والمذكور هناك من قبل بصيغة الماضي في قوله أَ فَرَأَيْتُمْ [ الزمر : 38 ] . تنبيه : إن يردن شرط جوابه لا تغن عني إلخ والجملة الشرطية في محل النصب صفة لآلهة . فائدة : أثبت ورش الياء بعد النون في الوصل دون الوقف ، والباقون بغير ياء وقفا ووصلا . إِنِّي إِذاً أي : إن عبدت غير الله تعالى لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي : خطأ ظاهر ، وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء ، وسكنها الباقون وهم على مذاهبهم في المد . ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه عله صرح بما لوح إليه من إيمانه بقوله : إِنِّي آمَنْتُ أي : أوقعت التصديق الذي لا تصديق في الحقيقة غيره ، وفتح الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو ، وسكنها الباقون ، واختلف في المخاطب بقوله بِرَبِّكُمْ على أوجه أحدها : أنه خاطب المرسلين قال المفسرون : أقبل القوم عليه يريدون قتله فأقبل هو على المرسلين قال إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ أي : اسمعوا قولي واشهدوا لي ، وثانيها : هم الكفار لما نصحهم وما نفعهم قال آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ وثالثها : بربكم أيها السامعون فاسمعون على العموم كقول الواعظ : يا مسكين ما أكثر أملك يريد : كل سامع يسمعه فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه وقال ابن مسعود : وطئوه بأرجلهم ، وقال السدي : كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول : اللهم اهد قومي حتى قطعوه وقتلوه وقال الحسن : خرقوا خرقا في حلقه فعلقوه في سور المدينة وقبره بأنطاكية مشهور رضي الله تعالى عنه . تنبيه : في قوله فَاسْمَعُونِ فوائد : منها : أنه كلام متفكر حيث قال : اسمعوا فإن المتكلم إذا كان يعلم أن لكلامه جماعة سامعين يتفكر ، ومنها : أن ينبه القوم ويقول : إني أخبرتكم بما فعلت حتى لا تقولوا لم أخفيت عنا أمرك ولو أظهرته لآمنا معك ، فإن قيل : إنه قال من قبل وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وقال ههنا : آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ ولم يقل : آمنت بربي ؟ أجيب : بأنا إن قلنا :